الشنقيطي
369
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [ النور : 2 ] والمتواتر لا ينسخ بالآحاد . فتركه العمل بهذا النوع من الأحاديث بناه على مقدمتين : إحداهما : أن الزيادة على النص نسخ . والثانية : أن المتواتر لا ينسخ بالآحاد . وخالفه في المقدمة الأولى جمهور العلماء . ووافقوه في الثانية . والذي يظهر لنا ونعتقده اعتقادا جازما أن كلتا المقدمتين ليست بصحيحة . أما الزيادة فيجب فيها التفصيل . فإن كانت أثبتت حكما نفاه النص أو نفت حكما أثبته النص فهي نسخ . وإن كانت لم تتعرض للنص بنفي ولا إثبات بل زادت شيئا سكت عنه النص فلا يمكن أن تكون نسخا لأنها إنما رفعت الإباحة العقلية التي هي البراءة الأصلية . ورفعها ليس نسخا إجماعا . وأما نسخ المتواتر بالآحاد . فالتحقيق الذي لا شك فيه أنه لا مانع منه ولا محذور فيه ، ولا وجه لمنعه البتة ، وإن خالف في ذلك جمهور أهل الأصول . لأن أخبار الآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عن المتواتر لا وجه لردها ، ولا تعارض البتة بينها وبين المتواتر إذ لا تناقض بين خبرين اختلف زمنهما ، لجواز صدق كل منهما في وقته . فلو أخبرك مثلا عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب ، بأن أخاك الغائب لم يزل غائبا ولم يأت منزله . لأنهم كانوا بمنزله وليس بموجود ، ثم أخبرك بعد ذلك رجل واحد بأن أخاك موجود في منزله الآن . فهل يسوغ لك أن نقول له كذبت ، لأني أخبرني عدد كثير قبلك أنه لم يأت ؟ ولو قلت له ذلك لقال لك هم في وقت إخبارهم لك صادقون ، ولكن أخاك جاء بعد ذلك . فالمتواتر في وقت نزوله صادق . وخبر الآحاد الوارد بعده صادق أيضا .